من ذاكرة الصحافة الأهوازية: سجال شعاع وعباسي بين النقد والتهديد ومسرحية المصالحة

بقلم : كاظم مجدّم

في العام 2001م، وقبل انطلاق جريدة «الشورى» (العربية ـ الفارسية) بأشهر، زرتُ السيد شعاع، وكان معي ديوان عادل حيدري، أحد أبرز أتباع عباس الطائي.

كان الديوان يضم مجموعة من الأشعار التافهة باللهجة الشعبية، ومعظمها ترهات في مدح الأمة الشيعية. لكن ما لفت انتباه السيد شعاع هو المقدمة التي كتبها عباس الطائي للديوان. فبادر، من دون أن يخبرني، إلى كتابة نقد لاذع لتلك المقدمة التافهة التي كُتبت لديوان شعري تافه. وانتقد عباسًا لعدم تقييمه الأشعار، واكتفائه بمدح الشويعر عادل حيدري.
كما سخر السيد شعاع من جبن عباس الطائي، لأنه استخدم مفهوم «الأمة الإسلامية» بدلًا من «الشعب العربي الأهوازي». وقد وجّه الخطيب السيد شعاع فاخر نقدًا شديدًا إليه، مستهزئًا بجبنه في استخدام التسمية التي تعبّر عن هوية الشعب العربي الأهوازي.

وكان ذلك في وقت كنا نطالب فيه نظام الملالي بالكفّ عن مخاطبة العرب بمصطلح «قبائل وعشائر عرب خوزستان»، وهو توصيف نرفضه لأنه يختزل شعبًا له تاريخه ولغته وهويته في مجرد قبائل وعشائر. فالنظام الإيراني يستخدم، ولا يزال، مصطلح «الأقوام» للإشارة إلى الشعوب والمجموعات القومية التي تعيش ضمن الجغرافيا الإيرانية. وهو مصطلح يُوظَّف، في نظرنا، ضمن خطاب يضع هذه المجموعات في إطار تابع لأمة فارسية مركزية، بدلًا من الاعتراف بها شعوبًا ذات تاريخ ولغات وهويات وحقوق جماعية.

ويسهم هذا النهج في تبرير سياسات التمركز، وهيمنة اللغة الفارسية، وتقييد الحقوق الثقافية واللغوية، والتهميش الاقتصادي في المناطق التي تسكنها الشعوب غير الفارسية، فضلًا عن وصم المطالبات بالحقوق القومية بالانفصالية والخيانة. ومن هنا، لم يكن اعتراضنا على استخدام مصطلح «الأمة الإسلامية» في ذلك السياق مجرد خلاف على التسمية، بل كان جزءًا من موقف أوسع يرفض طمس الهوية العربية الأهوازية أو اختزالها في هويات عامة تتجاهل خصوصيتها القومية وحقوقها.

أرسلتُ النقد إلى جريدة «صوت الشعب» (العربية ـ الفارسية)، التي كانت تصدر بين فترة وأخرى برئاسة تحرير «الواوي» حسن هاشميان. لكن الجريدة لم تنشر النقد. وبعد مرور شهرين على إرساله، صدرت الصحيفة، لنتفاجأ بردّ طويل وهجومي كتبه عباس عباسي ردًّا على نقد السيد، من دون أن تنشر الجريدة نصّ نقد السيد نفسه!

حاولتُ الاتصال بالجريدة، لكن من دون جدوى. وتذرّع القائمون عليها آنذاك بأن النقد مذيل باسم مستعار هو «أبو شمال الجنوبي»، وأنهم لا يستطيعون نشر مقال يحمل اسمًا مستعارًا. فقلت لهم: ولماذا تنشرون الردّ إذن؟ كان بإمكانكم تجاهل الأمر برمّته، بدلًا من نشر الردّ وإهمال النقد الأصلي!

أخذتُ الردّ إلى السيد، فقال إن الجريدة كان من المفترض أن تنشر النقد والردّ معًا، لكن يبدو أن عباسي كان غاضبًا جدًا. وأضاف السيد أنه كان يودّ فتح حوار بنّاء نعلّم من خلاله شبابنا ثقافة النقد، غير أن عباسي ليس أهلًا لمثل هذه الحوارات.
وعلى إثر ذلك، كتب السيد ردًّا أشدّ لهجة، انتقد فيه عباسي والقائمين على الجريدة لامتناعهم عن نشر نصّ نقده أولًا، حتى يكون القارئ على دراية بالأسباب التي دفعت عباسي إلى الردّ. وقد عنون السيد ردّه: «محارم لدموع الدكتور الساخنة».

في تلك الأثناء، انطلقت جريدة «الشورى» على يد شخص غير معروف يُدعى صالحي. وذات مرة، وجدتُ مجموعة الواوية، علي ساعدي وحسين عليوطرفي وعزيز ساعدي، يتصدرون الجريدة. وأخبرني علي بأن صالحي منحنا القسم العربي لنكتب فيه ما نشاء، ضمن خطاب إصلاحي! فاقترحت عليهم أن ننشر ردود السيد، وبهذه الطريقة نعرّف الناس بالجريدة. فتقبّلوا الفكرة، وإن لم يكونوا مقتنعين بها تمامًا، ولا سيما أننا تلقّينا معلومات تفيد بأن فاضل عبيات غير راضٍ عن هذه المبادرة، وأنه يقول إن كاظم مجدم يقف وراء هذه المناوشات!

فنشرنا ردّ السيد في جريدة «الشورى»، وجاء ردّ عباسي في جريدة «صوت الشعب»، ثم التحق عادل حيدري بالسجال دفاعًا عن سيده ومولاه عباسي. لكن النقد المتبادل تحوّل، مع الأسف، إلى سجال بلاغي وإعرابي، إذ انصبّ جلّ ردود عباسي ومريده عادل حيدري على الأخطاء النحوية والبلاغية.

وبعد نشر عدد من الردود التي كتبها السيد، أخبرني بأنه تعرّض للإهانة والتهديد من قِبل أحد أفراد قبيلة عباسي، داخل المسجد وأمام المصلّين. وقد دفعه ذلك إلى اتخاذ قرار بالتوقف عن مواصلة السجال، بعدما تجاوز الأمر حدود النقد إلى الإهانة والتهديد. والأنكى من ذلك أن هذا السجال لم يعد يقدّم للقارئ أي فائدة تُذكر، بعدما انحرف عن غايته الأصلية، المتمثلة في ترسيخ ثقافة النقد والحوار البنّاء لدى الشباب.
وبعد أيام، فوجئنا بأن جريدة «الأهواز» نشرت مقالًا وضعت فيه صورة السيد وصورة عباسي جنبًا إلى جنب، وأعلنت أن المصالحة قد تمّت بوساطة الجريدة وبعض الخيرين!

وتجدر الإشارة إلى أن نظام الملالي بارع في الألاعيب والخداع؛ فعندما ترتفع أصوات المطالبة بالحقوق الثقافية والتنديد بالتمييز والعنصرية، ينحني بخبث أمام العاصفة، ويسمح لأتباعه بنشر بعض الجرائد العربية أو إنشاء مواقع عربية. وبعد أن تخفت المطالبات، نتيجة انشغال الناس بهمومهم الاقتصادية والمعيشية التي تتفاقم، في نظرنا، بفعل سياسات النظام، يطلب من أزلامه التوقف عن النشر!

فهذه الجرائد، التي كانت تصدر بصورة غير منتظمة، وكان القائمون عليها يتعلّلون، بحسب ما أراه، بعدم وجود دعم حكومي أو استقبال شعبي، أُغلقت تمامًا في نهاية المطاف، بعدما أعلن النظام موت مشروع الإصلاحات!

فعلى سبيل المثال، بدأت جريدة «صوت الشعب» الصدور في سبتمبر عام 2000، وكانت تصدر من طهران، مع اهتمامها بقضايا العرب في إقليم الأهواز. والجدير بالذكر أن ظهور هذه الجريدة وانتشارها جاءا مفاجئين، ولم يُعرف كيف حصل هاشميان على التراخيص من دون «طگت عصا»!

وبعدها بفترة، ظهرت جريدة «الشورى» على يد شخص لم تكن له خبرة تُذكر، لا في الصحافة ولا في السياسة.

11 أكتوبر 2026

اشترك

بالضغط على زر الاشتراك، فإنك تؤكد أنك قد قرأت سياسة الخصوصية الخاصة بنا.
العلم الوطني الأحوازي ومن الجغرافية العربية الأحوازية