الدكتور عباس العباسي الطائي في الميزان

بقلم : كاظم مجدّم

  1. 1. البدايات والانطباعات الأولى

كانت أول مرة أسمع فيها بعباس العباسي الطائي عندما عثرت على نسخة متهالكة من «معجم المرشد (فارسي ــ عربي)». كان معجمًا صغيرًا فقير المفردات، وفي مقدمته ذكر العباسي أن اللهجة الأهوازية لا تُستخدم فيها صيغة المثنى. وفي فترة الحرب حصلت على قصيدة بعنوان «يا محبوبة»، ثم عرفت لاحقًا أنها تنتسب إلى العباسي. أنشد الشاعر القصيدة باللغة الدارجة، والقارئ المطلع يدرك أنه يخاطب وطنه من غير أن يشير إلى ذلك صراحة. وكنا نوزّع هذه القصيدة آنذاك بوصفها قصيدة وطنية.

وعندما تعرّفنا إلى المرحوم الدكتور علي الطائي، أرشدنا إلى المرحوم عبد المجيد عبد اللهي. ولا أتذكر أنه ذكر العباسي أو كتاباته ولو مرة واحدة، وكان ذلك عجيبًا؛ لأن علي الطائي والعباسي تربطهما صلة نسب، فهما ابنا عمومة. وكذلك المرحوم حجي جبار الطائي لم يوصِنا بالعباسي أيضًا.

وعلى ما يبدو كانا يعرفان هوية عباس جيدًا. وفي الفترة التي كنا نعمل فيها في جريدة الأهواز (صيف 1998م)، سمعت أن عباس العباسي اقتبس أجزاء كبيرة ومهمة من كتاب «الأدب العربي في الأحواز» للكاتب العراقي عبد الرحمن كريم اللامي، ونال بذلك شهادة الدكتوراه من دون أن يذكر المصدر. ودار نقاش في مكتب الجريدة، وعدّها الشباب فضيحة كبيرة.

وعلى ما يبدو، لم يوزّع العباسي رسالة الدكتوراه (تاريخ الأدب العربي في الأهواز) على نطاق واسع، ولم تُشِر إليها المواقع والحسابات التي تطبل له وتبجّله وترفع من مكانته. لذلك لم يتسنَّ لي أن أقارن الرسالة بكتاب عبد الرحمن كريم اللامي. ومع أني لم أطلع عليها، لم أستبعد ذلك منه؛ فله باع طويل في السرقات الأدبية. وكثير من قصائده الفصحى عبارة عن سرقات أدبية من شعراء معروفين، مثل أبي القاسم الشابي وغيره، باستثناء قصيدة «يا محبوبة». ولا أتذكر أننا تحدثنا مع الأصدقاء عن مضمون قصائد العباسي أو فحواها؛ فقد كانت خالية تمامًا من أي معانٍ معبّرة. ولذلك كان يقحم اسم الأهواز في قصائده كي تصفق له الجماهير.

  1. 2. زيارة عبادان وخطاب الهوية العربية

بعد الاحتفال الأول الذي أُقيم من أجل التعريف بحركة الوفاق، في صيف عام 1998، ذهبنا لزيارة عباس في بيته في عبادان. كان بيته يقع ضمن منازل شركة النفط المخصصة لكبار موظفي الدولة والشخصيات الأمنية والقضائية. لا أتذكر مَن من الشباب نسّق الزيارة، ولكن على ما يبدو كان يعرف عبد الكريم الأهوازي. فقال لعبد الكريم معاتبًا: «عندما كنت تقرأ قصيدتك في الاحتفال، ظننت أنك تقرأ قصيدة لنزار قباني!» وأضاف: «لا بأس، في بداية مشوارك الشعري، أن تقلّد الشعراء الكبار، لكن يجب أن تستقل وتخلق لنفسك خصوصية في شعرك».

وعلى المائدة بدأ يروي لنا بعض المشاهد، والمصاديق إن صح التعبير، من سياسات نظام الملالي في سبيل تطبيق سياسة التفريس وجعل العرب أقلية في إقليم الأهواز. قال: «عند مجيئي من طهران رأيت لافتة على الطريق مكتوبًا عليها (ألوان)، وهي تشير إلى قرية بيت علوان التابعة لعشائر خسرج الأهوازية». وقال إن النظام بدأ يحرّف الأسماء بقصد محو هويتها العربية.

وكذلك سرد قصة أخرى قائلًا: «كنت جالسًا في سيارة أجرة، وعندما مررنا بالأراضي التي صادرتها شركة قصب السكر، قال أحد الركاب: هذا ليس (ني شكر) بل (ني عجم)»، يقصد أن الهدف من مصادرة هذه الأراضي ليس زراعة قصب السكر، بل استيطان العجم.

على ما يبدو، كان يعرف توجهاتنا القومية العربية، فبدأ يعزف على وترها، دون أن يخجل من أنه كان يسكن في بيت كبير تابع لشركة النفط، ضمن مجمّع سكني مخصّص لكبار موظفي نظام الملالي المجرم في مدينة عبادان، بينما كان يتحدث عن حقوق الشعب العربي المنهوبة وسياسات النظام العنصرية.

  1. 3. الخلاف حول الهجاء وموقف العباسي

في تلك الأثناء، كتب عبد الكريم الأهوازي لقاءً صحفيا وهميا ساخرا مع موسى جرفي، كما نظم قصيدة هجائية ضده، مطلعها:

«أنا الذي سمّتني أمّي موسى، وعشتُ بينكم منحوسا».

وجاء ذلك بعدما حاول موسى جرفي عرقلة إقامة المهرجان، متهمًا القائمين عليه بأنهم وهابيون.

بعد ذلك جمعتُ عناوين بعض خطباء العرب الأهوازيين، مثل الشيخ كوتي والشيخ عباس كعبي والشيخ حسين، وبعض المثقفين، وأرسلتُ إليهم القصيدة والمقابلة الصحفية الوهمية عبر البريد، وكتبتُ عنوان موسى جرفي واسمه على الظرف، كأنّ المرسل هو موسى جرفي. لاحقًا اتصلت به بعض الشخصيات التي تلقّت الرسائل، واستفسرت منه عن حقيقة الأمر مستغربةً.

لكن في تلك الأثناء اتصل بي عباس عباسي لأول مرة في حياتي، ولا أعرف كيف عرف بموضوع القصيدة الهجائية، فقال إن الساحة الثقافية الأهوازية ليس فيها هجاء، وإن هذا بعيد عن ثقافتنا، وبدأ ينصحني، وكان يلمّح إلى أنه يعرف أمر القصيدة الهجائية، غير أنني أنكرتُ الموضوع كليًا.

  1. 4. نشاطه العام ومسيرته الأكاديمية

حضر الدكتور عباس العباسي الطائي معظم احتفالاتنا المرخّصة في القاعات، غير أنه لم يحضر ولو مرة واحدة احتفالاتنا إبّان الحملة الانتخابية، ولم يدعمنا في الانتخابات ولو بكلمة. ولم ينطق في موضوع الاحتفال الذي يحضره ولا في مناسبته، واكتفى بإلقاء قصائده المملّة التي لم أحفظ منها كلمة واحدة، ولا أذكر أن أحدًا من الرفاق في حركة الوفاق أشار إلى مقطع منها بأنه جدير بالالتفات. ولم يبلغني أنه حوسب على حضوره تلك الاحتفالات، بل أُتيحت له — بفضل ما شاء الله من أسباب — فرصة التدريس في جامعتي عبادان وطهران.

ولا أدري من الذي يزكّيه ويرفع ذكره، غير أن معظم قصائده دارت حول فلسطين. وبعد أن تعطّلت أنشطة الوفاق بسبب خيانات عصابة المقبور الحاج إبراهيم عامري وابن جبر صخماني، ظل الدكتور عباس يدرّس وينشر كتبه، وتُجرى معه اللقاءات بلا حساب. وكل الإعلاميين العرب المحسوبين على استخبارات نظام الملالي أجروا معه مقابلات، وما زالت كتبه تُطبع وتُنشر، وأكثرها في شعر رجال دين أهوازيين مغمورين، من غير أن تمسّه السلطة بأذى.

وكل ما يُشاع عن إبعاده من جامعة عبادان لا أساس له من الصحة؛ إذ نُقل من جامعة صغيرة ونائية إلى جامعة طهران في العاصمة، وحصل على امتيازات وعقود للترجمة من الإذاعة والتلفزيون، كما اشترى منزلًا كبيرًا في إحدى أرقى مناطق طهران. فلو كان مبعدًا فعلًا، لنقله النظام إلى بلوشستان أو خراسان، كما يفعل مع غيره.

ورغم كل ما يطلقه عباس العباسي الطائي من شعارات وطنية، وما يُنسب إليه من مواقف وادعاءات بأنه كرّس حياته لتربية الأجيال، مستندًا إلى مسيرته معلّمًا وأستاذًا جامعيًا، فإن من حقنا أن نتساءل: أين هذه الأجيال التي يزعم أنه ربّاها؟ ومن هؤلاء الذين ترك فيهم أثرًا يُذكر، سوى عادل حيدري، الذي كان من أبرز المدافعين عنه؟ والمفارقة التي تستحق التوقف عندها أن العباسي، الذي يقدّم نفسه بوصفه مربّي أجيال ومدافعًا عن اللغة العربية، لم يتحدث مع أبنائه في البيت باللغة العربية، بحسب ما نعلم، حتى إنهم لا يتقنونها! فكيف يستقيم ادعاء تربية الأجيال وخدمة اللغة العربية مع غيابها عن أقرب دائرة يُفترض أن يبدأ منها دور المربّي؟

والأكثر إثارة للتساؤل أن الدكتور العباسي نفسه، في مقاله المعنون «آفات اللغة والهوية»، المنشور عام 2005، يشير بوضوح إلى أهمية دور الوالدين في تعلّم الأبناء لغتهم الأم والحفاظ عليها، إذ يقول في معرض حديثه عن أسباب تراجع الاهتمام باللغة العربية: «عدم اهتمام الوالدين، وهذا السبب ليس بعيدًا عمّا سبقه (عدم اهتمام الناطقين باللغة بالحفاظ على لغتهم) من أسباب، فالواضح أن بعض الآباء والأمهات — حتى الذين يجيدون اللغة العربية نسبيًا — يعتقدون أن الأولاد قد يواجهون صعوبات في تعلّمهم المدرسي، وهي حجة أوهن من بيت العنكبوت، لأن الأولاد سريعي التعلّم للغات، والدليل على ذلك أننا عندما ذهبنا إلى المدرسة لم نكن نعرف كلمة واحدة من الفارسية. فهؤلاء الآباء والأمهات يقترفون جريمة كبرى في حق أولادهم، إذ يضيّعون عليهم لغتهم وهويتهم. وهذا ما نشاهده عندما نلتقي ببعض الشباب الذين يلقون باللائمة على ذويهم، إذ يقولون — بخسارة —: “تقصير بابا ومامانا!”».

  1. 5. السكن والعقود والترجمة واستغلال الطلاب

وقد سكن العباسي في بيوت تابعة لشركة النفط بعبادان، بجوار عناصر النظام الأمنيين. وكان يسكن في حي 22 بهمن في التسعينيات من القرن الماضي، بقرب العميل الخبيث شبيب جويجري.

في الوقت الحاضر، يسكن عباس في بيت راقٍ في أرقى وأغلى مناطق طهران، ولا يزال يبيع علينا الوطنيات! دائمًا ما يحصل، بقدرة قادر، على عقود ثمينة لترجمة نصوص بعض البرامج الإذاعية إلى العربية، ثم يوزّعها على طلابه في الجامعة. وفي كثير من الأحيان، لا يعطيهم شيئًا، بحجة أن الإذاعة والتلفزيون لم يفيا بوعودهما. إنه لمنتهى الانتهازية والخسّة أن يستغلّ المرء طلابًا مساكين!

  1. 6. غموض يكتنف ادّعاء الدراسة في الأزهر

بحسب ما هو منشور في سيرته، وُلد الدكتور عباس العباسي الطائي عام 1944م في إحدى قرى ناحية البسيتين التابعة لقضاء الخفاجية، على بُعد نحو 60 كيلومترًا غربي الأهواز. أنهى دراسته الابتدائية والثانوية في الناحية نفسها، ثم عُيّن معلّمًا فيها، قبل أن يُنقل إلى ضواحي مدينة الأهواز. وبعد ذلك، حصل على شهادة البكالوريوس في الأدب العربي من جامعة جندي سابور (چمران) في الأهواز، ثم سافر إلى مصر لمواصلة دراساته العليا في جامعة الأزهر.

غير أن تفاصيل دراسته في مصر يكتنفها الغموض، وتثير تساؤلات بشأن طبيعتها ومدتها والدرجة العلمية التي حصل عليها هناك. ويشكك السيد شعاع فاخر في رواية دراسته بالأزهر، ويرى أن مستواه في اللغة العربية لا يوحي بأنه أتمّ دراسة الماجستير في الجامعة المذكورة. وهذا، بطبيعة الحال، يظل رأيًا منسوبًا إلى صاحبه، ولا يكفي وحده لإثبات صحة الرواية أو نفيها.

ولا يوجد في المصادر المتاحة تاريخ محدد لبداية دراسته في مصر أو لنهايتها. وما يتكرر في سيرته أنه نال البكالوريوس في الأدب العربي من جامعة جندي سابور (چمران) في الأهواز، ثم سافر إلى مصر ليواصل الماجستير في الأزهر. وتقول السيرة المتداولة إنه كان يعد رسالته حين أجبرته السلطات المصرية على مغادرة البلاد بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران في فبراير 1979، فعاد وأكمل الماجستير والدكتوراه في مركز العلوم والدراسات العليا بجامعة طهران المركزية.

وهذا النص نفسه يظهر في ويكيبيديا العربية، في مقالة غير مراجعة، وفي نبذات أقدم عنه، منها ما نشره مربي الدجاج حمدي يباري (حامد الكناني) عام 2012. ولا تذكر هذه المصادر سنة الوصول إلى القاهرة، ولا الفصل الدراسي، ولا رقم القيد، ولا عنوان الرسالة.

بل تتعارض الروايات فيما بينها. فالسيرة الأقدم، وقسم التعليم في ويكيبيديا، يقولان إنه لم يُنه الرسالة في الأزهر، وإن شهادتي الماجستير والدكتوراه من طهران. أما مقال أحدث نشره معهد الحوار (للواوية والثعالب) في يوليو 2026 فيقول إنه نال الماجستير في الأدب المقارن من الأزهر، ثم نال ماجستيرًا آخر ودكتوراه من طهران. وهذا يخالف الرواية الأولى، ولا يرفق وثيقة.

وتفيد المعلومات المتوفرة أيضا أن عباس لم يشارك في احتجاجات الثورة ضد النظام الملكي، ولا في الحراك العربي القومي للأهوازيين بعد الثورة. ورواية عودته من مصر عقب انتصار الثورة تتعارض مع ما سمعه عادل سويدي منه شخصيا، إذ قال إن منام الطلاب الأجانب اقتُحم بعد اغتيال أنور السادات في 6 أكتوبر 1981، وأُجبروا على المغادرة.

إضافةً إلى ذلك، لم يذكر في حديثه عن مصر أسماء أساتذته الذين درس عندهم، مع أن الطالب عادةً ما يسمي أساتذته ويروي عنهم. وكل ما يرويه عن فترة دراسته هناك هو زيارة قبر أم كلثوم.

  1. 7. سجال شعاع فاخر وعباس العباسي في الصحافة

في عام 2001م، وقبل انطلاق جريدة الشورى (العربية ـ الفارسية) بأشهر، زرتُ السيد شعاع، وكان معي ديوان عادل حيدري، أحد أبرز أتباع عباس الطائي.

 مقدمة ديوان عادل حيدري وبداية السجال

كان الديوان يضم مجموعة من الأشعار التافهة باللهجة الشعبية، ومعظمها ترهات في مدح الأمة الشيعية. لكن ما لفت انتباه السيد شعاع هو المقدمة التي كتبها عباس الطائي للديوان. فبادر، من دون أن يخبرني، إلى كتابة نقد لاذع لتلك المقدمة التافهة التي كُتبت لديوان شعري تافه. وانتقد عباسًا لعدم تقييمه الأشعار، واكتفائه بمدح الشويعر عادل حيدري.

كما سخر السيد شعاع من جبن عباس الطائي، لأنه استخدم مصطلح «الأمة الإسلامية» بدلًا من «الشعب العربي الأهوازي». وقد وجّه إليه الخطيب السيد شعاع فاخر نقدًا شديدًا، مستهزئًا بجبنه في استخدام التسمية التي تعبّر عن هوية الشعب العربي الأهوازي.

الخلاف حول تسمية الهوية العربية الأهوازية

وكان ذلك في وقت كنا نطالب فيه نظام الملالي بالكفّ عن مخاطبة العرب بمصطلح «قبائل وعشائر عرب خوزستان»، وهو توصيف نرفضه لأنه يختزل شعبًا له تاريخه ولغته وهويته في مجرد قبائل وعشائر. فالنظام الإيراني يستخدم، ولا يزال، مصطلح «الأقوام» للإشارة إلى الشعوب والمجموعات القومية التي تعيش داخل جغرافية إيران، وهو مصطلح يُوظَّف، في نظرنا، ضمن خطاب يضع هذه المجموعات في إطار تابع لأمة فارسية مركزية، بدلًا من الاعتراف بها شعوبًا ذات تاريخ ولغات وهويات وحقوق جماعية.

إن هذا النهج يسهم في تبرير سياسات التمركز، وهيمنة اللغة الفارسية، وتقييد الحقوق الثقافية واللغوية، والتهميش الاقتصادي في المناطق التي تسكنها الشعوب غير الفارسية، فضلًا عن وصم المطالبات بالحقوق القومية بالانفصالية والخيانة. ومن هنا، لم يكن اعتراضنا على استخدام مصطلح «الأمة الإسلامية» في ذلك السياق مجرد خلاف على التسمية، بل كان جزءًا من موقف أوسع يرفض طمس الهوية العربية الأهوازية أو اختزالها في هويات عامة تتجاهل خصوصيتها القومية وحقوقها.

ردود الصحف وتحوّل النقد إلى سجال

أرسلتُ النقد إلى جريدة «صوت الشعب» (العربية ـ الفارسية)، التي كانت تصدر بين فترة وأخرى، برئاسة تحرير الثعلب «الواوي» حسن هاشميان. لكن الجريدة لم تنشر النقد، وبعد مرور شهرين على إرساله، صدرت الصحيفة لنتفاجأ بردّ طويل وهجومي كتبه عباس عباسي ضد نقد السيد، من دون أن تنشر الجريدة نصّ نقد السيد نفسه!

حاولتُ الاتصال بالجريدة، لكن من دون جدوى. وتذرّع القائمون عليها آنذاك بأن النقد مذيل باسم مستعار (أبو شمال الجنوبي)، وأنهم لا يستطيعون نشر مقال يحمل اسمًا مستعارًا. فقلت لهم: ولماذا تنشرون الردّ إذن؟ كان بإمكانكم تجاهل الأمر برمّته، بدلًا من نشر الردّ وإهمال النقد الأصلي!

أخذتُ الردّ إلى السيد، فقال إن الجريدة كان من المفترض أن تنشر النقد والردّ معًا، لكن يبدو أن عباسي كان غاضبًا جدًا. وأضاف السيد أنه كان يودّ فتح حوار بنّاء نعلّم من خلاله شبابنا ثقافة النقد، غير أن عباسي ليس أهلًا لمثل هذه الحوارات.

وعلى إثر ذلك، كتب السيد ردًّا أشدّ لهجة، انتقد فيه عباسي والقائمين على الجريدة لامتناعهم عن نشر نصّ نقده أولًا، حتى يكون القارئ على دراية بالأسباب التي دفعت عباسي إلى الردّ. وقد عنون السيد ردّه: «محارم لدموع الدكتور الساخنة».

في تلك الأثناء، انطلقت جريدة «الشورى» من قبل شخص غير معروف باسم صالحي، ووجدتُ مرة واحدة مجموعة الواوية «علي ساعدي» و«حسين عليوي طرفي» و«عزيز ساعدي»، متصدرين الجريدة. وأخبرني الواوي الخبيث “علي” بأن صالحي منحنا القسم العربي لنكتب به ما نشاء ضمن خطاب إصلاحي! فاقترحت عليهم أن ننشر ردود السيد، وبهذه الطريقة نعرّف الجريدة للناس، وتقبلوا الفكرة وهم غير مقتنعين، خاصة وقد وصلتنا معلومات بأن فاضل عبيات غير راضٍ عن هذه المبادرة، ويقول إن كاظم مجدم وراء هذه المناوشات!

التهديد ومسرحية المصالحة

فنشرنا ردّ السيد في جريدة «الشورى»، وجاء ردّ عباسي في جريدة «صوت الشعب»، ثم التحق عادل حيدري بالسجال دفاعًا عن سيده ومولاه عباسي. لكن النقد المتبادل تحوّل، مع الأسف، إلى سجال بلاغي وإعرابي، إذ انصبّ جلّ ردود عباسي ومريده عادل حيدري على الأخطاء النحوية والبلاغية.

وبعد نشر عدد من الردود التي كتبها السيد، أخبرني بأنه تعرّض للإهانة والتهديد من قِبل أحد أفراد قبيلة عباسي، داخل المسجد وأمام المصلّين. وقد دفعه ذلك إلى اتخاذ قرار بالتوقف عن مواصلة السجال، بعدما تجاوز الأمر حدود النقد إلى الإهانة والتهديد. والأنكى من ذلك أن هذا السجال لم يعد يقدّم للقارئ أي فائدة تُذكر، بعدما انحرف عن غايته الأصلية، المتمثلة في ترسيخ ثقافة النقد والحوار البنّاء لدى الشباب.

وبعد أيام، فوجئنا بأن جريدة «الأهواز» نشرت مقالًا وضعت فيه صورة السيد وصورة عباسي جنبًا إلى جنب، وأعلنت أن المصالحة قد تمّت بوساطة الجريدة وبعض الخيرين!

  1. 8. الصحافة العربية وسياسة النظام الإيراني

تجدر الإشارة إلى أنّ نظام الملالي متفنن في الألاعيب والخداع، فعندما تُرفع أصوات المطالبة بالحقوق الثقافية والتنديد بالتمييز والعنصرية، ينحني بخبث أمام العاصفة ويسمح لأتباعه بنشر بعض الجرائد العربية أو إنشاء مواقع عربية. وبعد أن خفّت المطالبات نتيجة انشغال الناس بهمومهم الاقتصادية والمعيشية التي تنهمر عليهم بفضل سياسات النظام الخبيثة، يطلب من أزلامه التوقف عن النشر!! فهذه الجرائد التي كانت تنتشر بشكل غير منتظم، وكان القائمون عليها يتعللون كذبًا بأنّه لا يوجد دعم حكومي ولا استقبال شعبي، أُغلقت تمامًا في نهاية المطاف بعد أن أعلن النظام موت مشروع الإصلاحات!!

فمثلًا، بدأت جريدة «صوت الشعب» الصدور في سبتمبر عام 2000، وكانت تصدر من طهران، مع اهتمامها بقضايا العرب في إقليم الأهواز. والجدير بالذكر أن انتشار هذه الجريدة جاء مفاجئًا، ولم يُعرف كيف حصل هاشميان بدون (طگت عصا) على التراخيص!

بعدها بفترة، صدرت جريدة «الشورى» على يد شخص لم تكن له أيّ خبرة تُذكر في الصحافة أو السياسة، لكنه كان يسعى إلى أن يرشّحه حزب الوفاق لعضوية مجلس بلدية الأهواز. وقد أُدرج اسمه ضمن قائمة الحزب عام 2003م، غير أنّ أفراد عصابة المقبور حجي إبراهيم، ومن بينهم سعيد الكثير وهادي سواري، أوصوا الناخبين العرب بشطب اسمه من القائمة وكتابة اسم المقبور سيد ناصر بن سيد هادي بدلاً منه!

  1. 9. عباس العباسي.. من شاعر إلى مزار متحرّك!

في الآونة الأخيرة، أصبح عباس العباسي، بفضل اهتمام الإنفلونسرز التابعين لنظام الملالي المجرم، مثل «الواوي الثقيل» حسين فرج الله كعب، و«الخياط» عادل عمراني، و«أبو كوشة» مهدي الناصري، نجمًا إعلاميًا تُجرى معه المقابلات المتلفزة، يتحدث فيها عن حياته بإسهاب، وعن أعماله الشعرية ودراسته في الأدب الأهوازي. بل تحوّل إلى ما يشبه مقامًا أو مزارًا متحرّكًا، حسب قول فاضل عبيّات، حيث يتبرّك به الجميع ويتسابقون إلى التقاط الصور معه وإجراء اللقاءات الصحفية، حتى إن المواقع الوهمية التي أنشأها النظام في الخارج، مثل موقع «كارون مربّي الدجاج» وموقع «مركز الثعالب والواوية للحوار»، تعيد نشر هذه المقابلات واللقاءات! وتُقام له الاحتفالات التكريمية التي يحضرها موظفو القسم العربي في الإذاعة والتلفزيون، إلى جانب المدسوسين والمحسوبين على النظام، ممن يعيشون على الارتزاق والعمالة.

السؤال هو: لماذا يركز النظام على عباس العباسي دون غيره؟ ولماذا يفسح له كل هذا المجال ليقول ما يشاء في ذمّ النظام الملكي البائد، بينما يصمت عن إجرام نظام الملالي، في وقتٍ يُطارَد فيه مثقفون وكتّاب وناشطون آخرون، ويُغيَّبون ويعيشون في الفقر والعزلة؟

يهدف النظام إلى تحقيق أهداف كثيرة، لكن أبرزها عملية التسطيح، حسب الدكتور برقاوي: «يظهر التسطيح في تفسير الظواهر الاجتماعية حين تُحوَّل التجربة الفردية إلى قانون عام. فنجاح شخص لا يعني أن شروط النجاح متاحة للجميع، وفشل آخر لا يثبت أن الكسل وحده سببه. إن الفرد يعيش داخل شروط اقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية، وإلغاء هذه الشروط يحوّل تفسير الظاهرة إلى محاكمة للفرد؛ فيُلام الفقير على فقره، والعاطل على بطالته، وتُستعمل قصة ناجح واحد دليلًا على عدالة النظام كله».

وانطلاقًا من هذا المفهوم، يمكن طرح فرضية نقدية مفادها أن إبراز شخصية ثقافية بعينها قد يُستثمر لتقديم صورة انتقائية عن واقع الحريات والفرص في المجتمع. فحين يُقدَّم مثقف واحد بوصفه نموذجًا على إمكان الكتابة والبحث والدراسة والظهور الإعلامي، قد تتحول تجربته الفردية، في الخطاب الدعائي، إلى حجة توحي بأن المجال مفتوح أمام الجميع، وأن العوائق التي يشكو منها آخرون إما مبالغ فيها أو غير موجودة أصلًا.

يُبرز النظام شخصية مختارة بعناية ليقول لنا إن المجال مفتوح، وإن عباس هو أبرز مثال يقدّمه لنا: فهو يكتب عن تاريخ العرب الأهوازيين ويدرس في الجامعات!

ولو ألقينا نظرة على كتاباته ومواقفه، لوجدنا أنها تنسجم تمامًا مع بروباغندا النظام؛ فهو لا ينتقد، بحسب ما يظهر في مواقفه المنشورة، سياسات التمييز العنصري التي ينتهجها النظام ضد العرب، بل يصدر بيانات دفاعًا عنه في أوقات اندلاع الاحتجاجات ضده، كما فعل خلال انتفاضة «المرأة، الحياة، الحرية». ويضاف إلى ذلك اهتمامه بالقضية الفلسطينية والترويج للملالي العرب، من خلال كتابة دراسات نقدية تتناول أعمالهم الأدبية، مثل الشعر، بما يسهم في تقديم شخصيات من الملالي، مثل الشيخ محمد الكرمي، بوصفها رموزًا ثقافية للأهوازيين.

  1. 10. عباس الطائي وشيوخ القبائل: تخويف الشعب العربي الأهوازي من مرحلة ما بعد سقوط نظام الملالي

أصدر عباس الطائي، في سبتمبر 2022، بيانًا سار فيه على نهج بعض شيوخ القبائل، محذرًا شباب القبيلة وفتيانها من عواقب المشاركة في الاحتجاجات. فقد وجّه عباسي في بيانه خطابًا إلى الشعب العربي الأهوازي، محذرًا الجماهير من المشاركة في الاحتجاجات التي عمّت إيران عقب مقتل الشابة جينا أميني على يد شرطة الأخلاق، ومخوفًا إياهم من المرحلة التي قد تعقب سقوط النظام الحالي.

وقال في بيانه: «في الانتفاضة ضد النظام البهلوي والثورة عليه عام 1979، ورغم أن للشعب العربي الأهوازي حصة الأسد، فإننا لم نحصل على شيء». وأضاف: «إذا كان النظام الإسلامي لم ينصفنا، بل زاد في تهميشنا وحرماننا، فماذا نتوقع من شراذم الفرس العنصريين…؟».

ولم يُشر عباسي ورفاقه من شيوخ القبائل، في بياناتهم وتصريحاتهم، لا من قريب ولا من بعيد، إلى أسباب اندلاع الاحتجاجات، ولا إلى ما تتعرض له النساء من ظلم وقمع في ظل نظام ولاية الفقيه. وبدلًا من ذلك، ركزوا على تخويف الناس من المرحلة التي قد تعقب سقوط النظام الحالي، محاولين الظهور بمظهر الحريصين على مصالح الشعب العربي الأهوازي والمتعاطفين معه.

14 أكتوبر 2026

اشترك

بالضغط على زر الاشتراك، فإنك تؤكد أنك قد قرأت سياسة الخصوصية الخاصة بنا.
العلم الوطني الأحوازي ومن الجغرافية العربية الأحوازية