العودة إلى الوطن الأحوازي
رحلتي في البحث عن الحركة الوطنية (1990–1997م)

القسم الأول

بقلم: عادل السويدي

في 31 أغسطس عام 1990، عُدنا نحن كأسرة، من ضمن مئات الأسر الأحوازية التي كانت تقيم في الكويت منذ عقود، عُدنا مضطرين ومثخنين بالدماء والخسائر، بالأرواح والأموال والأستقرار.. عدنا إلى الوطن الأحوازي المكبّل والمحاصر ايرانيا، بعد أن تم قُتل والدي أثناء الغزو العراقي للكويت (سأروي تفاصيلها المثيرة ومجرياتها وتداعياتها إلى أن تم تصفية القاتل في العام 1995م). كنت في ذلك الوقت في عمر العشرين. ولم نتمكن في ظل الظروف التي كانت قائمة في الكويت، من دفن والدي هناك بسبب الحرب والفوضى العارمة وتعطل كل المؤسسات والمستشفيات في الكويت، ولذلك اضطررنا إلى العودة إلى وطننا ليوارى الثرى فيه، إذ تم دفنه بتاريخ 27 – 09 – 1990 في المقبرة الواقعة في مسار مدينتي الأحواز ـ الحميدية والمسمّاة بمقبرة هادي.

لقد نشأت في بيت كانت فيه القضية الأحوازية حاضرة بصورة مستمرة. فقد غرس والدي في داخلي، انطلاقا من وعيه السياسي، حبه لوطننا وفضحه لنظام الخمينية ووحشيته منذ صعوده للسلطة في إيران العام 1979م. وكان قد خاض في شبابه مسيرة طويلة وصعبة، وكان مرتبطا بعمق بالقضية الوطنية بين مدينتي: الخفاجية وعبادان، والتي فرّ منهما الى الكويت بسبب المطاردة الأمنية الايرانية له في السبعينيات الى العراق ومنه الى الكويت. ولذلك، وعلى الرغم من عمري الفتي، وفهمي لوقائع الوطن بشكل نسبي في تلك الآونة، تشكّل وعيي بصورة قوية من خلال ما كنت أسمعه وأراه وأعيشه داخل البيت وخارج المنزل، اذ كان الوالد يصطحبني معه في الاجتماعات الأحوازية..

وعندما عدت إلى وطني في 26 – 09 – 1990م، كنت أحمل في داخلي صورة واضحة: لقد عدت إلى وطن محتل. وكان والدي قد حدثني عن خطورة الأوضاع هناك، وعن القمع، وعن حالة الجهل والنقص الكبير في الوعي التي فرضتها سلطات الاحتلال على أبناء الشعب.

لكن السؤال الذي كان يشغلني سرا وبصورة أكبر هو: أين هي الحركة الوطنية الأحوازية؟ أين سأجد الأنشطة السياسية والوطنية والثقافية؟ وأين الأشخاص الذين يحملون همّ القضية الوطنية؟
وعلى مدى نحو عامين، حاولت أن أجد إجابة عن هذه الأسئلة.

وفي عام 1992، ازداد إلحاحي على جدي حيال (أبو علي) السويدي. وكان يكبرني بنحو عشر سنوات، وأصغر من والدي. وكنت أسأله مرارا: أين الناس؟ أين الاجتماعات التي يتم فيها الحديث عن القضية الأحوازية؟ أين هي الحركة الوطنية؟

وبعد إلحاح متواصل، حاول من خلال علاقاته في الحي الذي كان يسكنه منطقة الكهرباء والمياه، المعروفة باسم شهرك آب و برق، أن يعرّفني إلى مجموعة من الأشخاص.
وكان من بينهم صديقه رزاق نيسي، الذي كان اخ لأحد المناضلين الأحوازيين المعروفين وهو: الفقيد مجيد نيسي، مدرّس اللغة الانجليزية في جامعة الأحواز، لكن رزاق ايضا كان معروفًا بعلاقته الحميمية والعضوية بالكحول، وهذه كانت المناسبة التي سيجمعنا عليها رزاق وحيال السويدي.

وفي إحدى ليالي الخميس دُعيت إلى جلسة وقيل لي إن عددا من الأشخاص الطيبين والوطنيين سيكونون موجودين، وإن بإمكاني أن أفتح معهم نقاشا حول القضية الوطنية. وكان من بين الحاضرين الدكتور عباس عباسي الطائي، والمناضل الراحل عدنان صوفي أبو فاروق، وهو صديق لوالدي وكان يعرفني جيدا، إضافة إلى عباس عجرش، وحيال أبو علي السويدي، وشخصين آخرين لم أعد أتذكر اسميهما.
في البداية، كانت الجلسة مجرد جلسة تعارف عادية.

وفي الأسبوع التالي، وكان ايضا مساء الخميس/ليلة الجمعة عدت مرة أخرى بعد اتصال تلقيته من ابو علي، ولكن هذه المرة اصطحبت معي العود. ففي تلك الفترة كانت الآلات الموسيقية في الأحواز شبه ممنوعة وخطيرة في ظل نظام رجال الدين. وكانت الموسيقى والفنون تخضع لقيود شديدة، وكان وجود آلة موسيقية مثل العود بحد ذاته أمًا لافتا ومحببا عند عموم شعبنا الذي كان يتوق للفن والموسيقى.

كنت أعزف على العود وأحب هذه الآلة. وكان العود هو الذريعة الذي جعل من التواجد في تلك الاجتماعات وسيلة للتقرب من هؤلاء الأشخاص، وأن تقود في النهاية إلى نقاشات حول قضيتنا الوطنية، والإستماع الى تحاليلهم ومعلوماتهم عن المجريات اليومية.

لكن في هذه الجلسة الثانية أيضا لم يحدث شيء يُذكر، إلا بشرب الخمرة، التي كنت لا أتقرب لها أبدا، لكن يبدو أنها كانت من مراسيمهم، خصوصا وان صاحب الدار: رزاق نيسي كان مضطلعا بإنتاجه شخصيا! .

واستمرت الجلسات في الأسابيع التالية. كان الحاضرون يتناولون الكحول كالعادة، وهو أمر لم أشارك فيه إطلاقًا، بينما كنت أنا أذهب لهدف واضح: كنت أريد أن أتحدث عن الوضع السياسي، والقضية الوطنية، والأوضاع القائمة في البلاد، ومستقبل الأحواز.
لكنني لم أحصل على شيء يُذكر من ذلك، وبقيت الأمسيات لا تتجاوز الا شعر (الأبوذيات).

وتحدثت مع جدي أبو علي حول هذا الأمر أيضا، وقلت له:
كيف يمكن لخمسة أو ستة أو سبعة أشخاص يلتقون بصورة متكررة أن يقولوا إنهم ما زالوا لا يثقون ببعضهم؟

وكان جوابه يبقى تقريبا على حاله: نحن ما زلنا نتعرف إلى بعضنا، وعلينا أولا أن نبني الثقة فيما بيننا.
وكان من الصعب علي أن أفهم هذا التبرير، فأنا لست هنا لبناء تنظيم سياسي، سري او علني، وكان الحاحي يزداد، ربما وكان في غير محله، ومصدر الحاحي كان قائما على اني قادم من بيئة في الكويت كان الحديث فيها المتواصل عن القضية الأحوازية، وكانت الأوضاع هناك أكثر حرية وعمقًا.

وخلال إحدى الجلسات، عزفت مرة أخرى على العود. وكان الدكتور عباس عباسي أخبرني أنه كتب في وقت سابق قصيدة جميلة بعنوان «يا محبوبة».
وكانت القصيدة تتحدث عن الأحواز ومدنها، وعن الظلم والقمع ومعاناة الشعب، وتضم صورا شعرية جميلة عن الوطن وبلغة عربية رصينة، جذبت انتباه الحضور.

وما زلت أتذكر جيدا أنه بدأ بارتجال القصيدة، وكانت قد أخذته النشعة، وأخذ ينطق كلماتها بصوته ويلحنها أثناء عزفي له كمقطوعة على العود.
وانهمرت الدموع من عينيه وهو ينشدها.
وقد بقي ذلك المشهد عالقا في ذاكرتي حتى اليوم.
وفي الواقع، كانت تلك اللحظة هي اللمحة الحقيقية الوحيدة للمشاعر الوطنية الأحوازية التي رأيتها خلال تلك الاجتماعات الأربعة.

أربع جلسات كاملة، وباستثناء تلك القصيدة، لم أتلق تقريبا أي شيء يجيب عن الأسئلة التي كانت تدور في ذهني حول القضية الوطنية.
لذلك قررت في النهاية ألا أعود إلى تلك الاجتماعات.
وفي الخميس التالي لم أكن حاضرا. وعندما سأل الآخرون عني، أُبلغوا بأن عادل قرر ألا يعود إلى المشاركة معهم.

وعلى إثر ذلك، جاء الدكتور عباس عباسي وأبو فاروق عدنان إلى منزلنا في منطقة سعدي، وألحّا علي أن أعود معهم وأن أحضر العود.
وقالا لي ألا أستعجل، وأن الظروف صعبة، وأن الأمور ستتضح في النهاية، وأن شيئا ما سيأتي.
وخجلت من رفض طلبهما، فذهبت معهما مرة أخرى.
لكن الأمر تكرر من جديد.

عندها اتخذت قرارا داخليا حاسما:
لن أنضم إلى هذه المجموعة بعد ذلك.

فما كنت أبحث عنه في تلك المرحلة لم يكن مجرد جلسة اجتماعية عادية. كنت أبحث عن الوعي، والهوية الوطنية، والفكر السياسي، وحركة وطنية منظمة. كنت في العشرين من عمري، قد عدت إلى وطني المحتل، وكنت أريد أن أفهم ما الذي يحدث فعلا تحت سطح المجتمع.
وكانت حصيلة بحثي خلال الفترة الممتدة من عام 1990 إلى عام 1992 اكتشافا مهما بالنسبة لي: أن الخوف لم يكن يسيطر على المجال العام فحسب، بل كان قد تغلغل عميقا في طريقة حديث الناس مع بعضهم، وفي مستوى ثقتهم ببعضهم، وحتى في الطريقة التي كانوا يعبرون بها عن مشاعرهم الوطنية من خلال الشعر!

الصدفة.. خير من آلاف المواعيد

وبعد عامين من تركي لتلك المجموعة، أي في العام 1994م، وبينما كنت قد استأجرت مكتب «تكسي تلفوني ميثم» في منطقة سعدي، قادتني الصدفة إلى لقاء سيكون له أثر مهم في مسيرتي الوطنية.

فقد حضر إلى المكتب ثلاثة شبان طلبوا سيارة إلى كوت عبدالله ذهابا وإيابا. وأثناء إيصالي لهم، لفت انتباهي حديثهم، فقد كانت بلغة عربية رصينة، متقدما في لغته وطرحه وتحليله، حتى في النكات التي كانوا يتبادلونها بينهم، لم تعتد اذني طوال هذه السنوات الاربعة أن استمعت لمجموعة احوازية، شبان وكبار في السن، التحدث بهذا المستوى من الرصانة والدقة التحليلية. أخذت أراقبهم وأستمع إليهم باهتمام، من دون أن أتدخل في حديثهم، ذا ساورتني الشكوك حولهم، محاولاً أن أستشف من كلامهم من يكونون.

وعندما وصلنا إلى وجهتهم إلى منطقة كوت عبدالله، اكتشفت أن المنزل الذي طرقوا بابه هو منزل صديقي الحميم (!). سلّمت عليه، ثم سألته على انفراد عن هؤلاء الثلاثة، فأجابني مطمئناً: (نعم، إنهم ثقات وأصدقاء وطنيون، ولا داعي للقلق منهم).
كانوا: محمد شريف النواصري، كاظم المجدم، وسعيد الصاكي. ومنذ ذلك اللقاء بدأت تتوثق علاقتي بهم وتتسع وتتعمّق تدريجيا، وشعرت أنني، بعد رحلة طويلة من البحث والعزلة، بدأت أخيرا أجد بعضا من ضالتي في الطريق الوطني الأحوازي.

أما ما جرى بعد ذلك، وكيف تطورت هذه العلاقة وما فتحته لي من آفاق، فسأرويه بالتفصيل في مقال آخر.
من البحث عن الحركة الوطنية
إلى اكتشاف الخوف المفروض على الحياة الثقافية والسياسية في الأحواز

بعد أكثر من شهر تقريبا في العام 1992م، اذ كانت ماتزال الاتصالات متواصلة عبر السلام العابر مع الأخوة ابو فاروق والدكتور عباس، التقيته مرة صدفة واقترحت على الأخ الدكتور عباس عباسي أن نسجل قصيدة الجميلة (يا محبوبة)، ولو بيني وبينه فقط. فقد كنت ألمس في ملامحه وطريقة حديثه خوفا واضحا وغريبا، وكأن هناك شيئا يمنعه من التعبير بحرية. قلت له إن القصيدة جميلة جدا، وفيها صور رائعة ولغة عربية رصينة، واقترحت عليه أن أعزف له مقطوعة على العود، وأن يقوم هو بتسجيل القصيدة على شريط كاسيت، فقد كان ذلك الزمن قبل انتشار وسائل التسجيل الحديثة، على أن يحتفظ بالتسجيل عنده، حتى لا تضيع القصيدة.

وعدني أن نلتقي في بيته لنتحدث عن الامر، وبالفعل ذهبت إليه بعد فترة. كان منزله في منطقة 22 بهمن، في مدينة الأحواز. لكنني فوجئت بأنه امتنع تماًا عن تسجيل القصيدة، وبدا واضحا أن الخوف كان مسيطرا عليه بصورة كبيرة، وأنه كان يحسب كل خطوة وكل كلمة بدقة شديدة.

ومن هنا استمر ارتباطي بالدكتور عباس عباسي، ثم دخلت مرحلة أخرى من حياتي. إذ بقيت نحو ثلاث سنوات أحاول دراسة اللغة الفارسية، التي لم أكن أتقنها، لأن دراستي الثانوية كنت قد أكملتها باللغة العربية في الكويت. كنت أرغب في الدراسة في جامعة الأحواز، لكن الدراسة كانت باللغة الفارسية وكانت هناك شروط تعيق ذلك.

وبعد ثلاث سنوات من المحاولات، ظهر اسمي في قسم القانون في جامعة شمران الموجودة في مدينة الأحواز، لكنهم رفضوا قبول شهاداتي وتسجيلـي في قسم القانون، واقترحوا علي فقط دراسة اللغة العربية. وبالفعل تمكنت من الدخول إلى قسم اللغة العربية في جامعة عبادان في العام 1995، ووافقت على ذلك، ودفعـت رسوم الفصل الأول، وكانت في ذلك الوقت نحو 450 ألف ريال.

لكن عندما بدأت الحضور في اليوم الأول إلى الصف، وفي اليوم نفسه، صاحوا بإسمي وطلبوا مراجعة عميد الجامعة، وكان العميد آنذاك شخصا يُدعى شوشتري. وأصر علي أن أعود وأؤيد شهاداتي وأثبتها في طهران من جديد!.

فقدمت له شهاداتي المترجمة إلى ثلاث لغات: العربية، والفارسية، والإنجليزية، إضافة إلى الروسية وفق ما كان لدي من وثائق. فقد كنت في الكويت قد حصلت على قبول من جامعة موسكو لدراسة هندسة الأقمار الصناعية، وكان والدي، رحمه الله، قد دفع ثلاثة آلاف دولار عن السنة الأولى، وهي سنة تحضيرية. وكان من المفترض أن أكون في موسكو بتاريخ 24-10-1990، لكن الغزو العراقي للكويت حال دون سفري.

وبعد ذلك جمعت جميع الوثائق والشهادات وقمت بتصديقها في وزارة الخارجية في طهران، ووضعتها أمام العميد شوشتري. ورغم ذلك طلب مني أن أذهب إلى طهران، دون أن يكون واضحا بالنسبة لي ما الذي كان يريده تحديدا من وراء ذلك.

ذهبت إلى طهران برفقة زوجتي، رغم أنني لم أكن أجيد اللغة الفارسية، وعدت في النهاية خالي الوفاض، دون أن أصل إلى نتيجة.

عندها تحدثت مع الدكتور عباس عباسي، وشرحت له ما واجهته باعتباره صديقا أثق به وكان مدرّسا للغة العربية في تلك الدامعة بعبادان. فقال لي بوضوح:

«أستاذ عادل، ملفك ملف سياسي. لا تستمر في هذا الطريق، هم يضعون امامط العراقيل بشكل متعمد حتى لا تستمر في الدراسة. أنت ممنوع سياسيا من استكمال الجامعة.»

عندها قلت له: إذا كان الأمر كذلك، فعلى الأقل أريد استرجاع الأموال التي دفعتها، والتي كانت في حدود 450 ألف ريال عن الفصل الدراسي. حاولت بكل الطرق، وراجعت هنا وهناك، لكنني يا للأسف ايضا لم أستطع حتى استرجاع تلك المبالغ.

وهنا بدأت أفهم بصورة أوضح أن الطرق كانت مغلقة أمامي في الداخل؛ الدراسة أُغلقت في وجهي، والعمل الحكومي كان ممنوعا علي، ولم يكن أمامي إلا العمل الخاص بما أستطيع.

ومع مرور السنوات، استمرت هذه الظروف حتى خرجت من وطني في شهر أكتوبر عام 1997.

14 – 09 – 2026

اشترك

بالضغط على زر الاشتراك، فإنك تؤكد أنك قد قرأت سياسة الخصوصية الخاصة بنا.
العلم الوطني الأحوازي ومن الجغرافية العربية الأحوازية