مقدمة توضيحية :

ننشر الحلقات أدناه في سياق رد الدكتور عباس الطائي على مقالة كتبها السيد كاظم مجدّم بعنوان (عباس العباسي الطائي في الميزان) .. ولقراءة المادة : إضغط هنا

 

الدربُ إلى الأزهر طويل .. الجزء الأول

بقلم: د.عباس الطائي

في قريتي”أبو چلاچ” النائية، وفي ظل حقبة اتسمت بالبطش والاضطهاد تحت وطأة النظام البهلوي ، وحوالي عام 1957، وُلد حلمٌ لم تكن وسيلته سوى “أثير المذياع”. فمن خلال الأصوات القادمة من القاهرة وبغداد، ومن خطابات عبد الناصر وتسابيح أم كلثوم، انفتحت آفاق العقل، وتسلل اسم “الأزهر الشريف” إلى قلب فتىً لم يتجاوز السادسة عشرة، ليصنع منه حُلماً جميلاً يضيء عتمة الواقع.

لم تكن الرحلة مفروشة بالورود؛ فبينما كان الطموح ينمو، كانت رياح الترحيل تضرب بظلامها، حيث أُجبر  على النزوح القسري مع المئات من المعلمين العرب،ليجد الكاتب نفسه منفيّاً في إحدى قرى مدينة الأهواز. ومع محاولته استكمال مسيرته التعليمية، اصطدم بجدار البيروقراطية الظالمة التي حاولت هدم ما بناه، مجبرةً إياه على العودة إلى السنة الأولى من مرحلة المتوسة

 لأن الفرع الذي درسه في مرحلة المتوسطة  كان قد نُسِخ،هناك، في تلك اللحظة من الإحباط أدرك الحقيقة المرة :

“إن الدرب إلى الأزهر.. طويلٌ جداً”.

عباس الطائي الاهوازي

يتبع

18 – 10 – 2026

الدَّربُ إلى الأزهرِ طويل .. الجزء الثاني

بقلم: د.عباس الطائي

لأجل استكمال مسيرتي التعليمية، وجدتُ نفسي مضطراً لخوض غمار المرحلة المتوسطة من جديد؛ فبعد ثلاث سنوات من الجهد، نُسخ فرعي (الزراعة) وكان علي أن أعيد بناء ما تهدم.

(أقول هذه الذكريات ليراها الشباب ليعلموا أن الوصول إلى الهدف يتطلب العشق والإرادة والإقدام)

 بدأتُ القراءة والتحصيل في ظروفٍ لا ترحم، فكنتُ أقضي أربع عشرة ساعة يومياً في مضمار التدريس والعمل الإداري، مثقلاً بمسؤولية عائلة كبيرة قوامها ثمانية أفراد.

كانت أمي -رحمها الله- هي المنبه الروحي لي؛ توقظني في منتصف الليل، فأخرج من عتمة البيت إلى الشارع، حيث كنتُ أجلس تحت ضوء عمود كهربائي بجوار بنك الصادرات في حي (لشكر آباد) بالأهواز المدينة، أُصارع الدروس وحدي، بلا مدرسة ولا معلم، مستعيناً بنورٍ شاحبٍ يصارع العتمة.

وبعزيمةٍ لا تلين، استطعتُ في عامين فقط أن أطوي ست سنوات من الدراسة الثانوية، لأخطو عام 1968 خطوتي الثانية نحو حلم الأزهر، بالتحاقي بقسم اللغة العربية في جامعة (جندي سابور). ورغم هذا الإنجاز، كان صوتُ الحقيقة في أعماقي يهمس: إن الطريق إلى الأزهر الشريف،لا يزال بعيداً.. بعيداً جداً.”

عباس الطائي الاهوازي

يتبع

18 – 10 – 2026

الدَّربُ إلى الأزهرِ طويل .. الجزء الثالث

بقلم: د.عباس الطائي

 

وأتممت مرحلة البكالوريوس في أقل من أربع سنوات، ورحت أستعد للسفر إلى مصر، لكن القدر كان لي بالمرصاد ليعرقل انطلاقي نحو حلمي، حيث اقتحمت استخبارات البهلوي بيتنا واعتقلتني وزجت بي في السجن، ثم سرحوني من عمل التدريس وبعد عام أعادوني إلى العمل بشرط التبعيد إلى مدينة إينج شمالي الأهواز. أتممت عامي التبعيد وعدت والشوق يحدوني إلى هدفي، وسافرت إلى مصر عام 1977 وما أجمل أن يحتضن المحب حبيبه، وكنت كما قال قيس المجنون: «أقبل ذا الجدار وذا الجدار»، وبكل سهولة التحقت بكلية اللغات في جامعة الأزهر في فرع الترجمة بين اللغتين العربية والفارسية، وأنا غير مصدق، كان بإمكاني الالتحاق بجامعة القاهرة في فرع الأدب المقارن، لكن عشقي الأزهري منعني.

مرت سنتان وكنت أعد رسالة الماجستير، كانت أخبار قيام الشعب الإيراني ضد الحكم البهلوي تنتشر رويداً رويداً. وعدت إلى الأهواز قبيل انتصار الثورة، وانتصرت الثورة عام 1979، وانقطعت العلاقات بين إيران ومصر وهكذا ابتعدت مرة أخرى عن حلمي الجميل، فأدركت أن الدرب إلى الأزهر أبعد مما كنت أتوقع.

كيف الذهاب إلى مصر وقد تقطعت الأسباب… فقيل لي لا طريق لك سوى السفر عن طريق إسرائيل* أو عن طريق إحدى الدول الأوروبية. فسافرت إلى اليونان ونزلت في أثينا عاصمتها، في فندق في ساحة «أومونيا» الساهرة ليلاً نهاراً، فزرت الأماكن الأثرية في اليونان بينما كنت أتمناه.

وبعد أيام ركبت طائرة ونزلت في مطار القاهرة الساعة 11:00 الحادية عشرة عشر مساء، قدمت جوازي إلى المأمور، نظر فيه ووضعه جانباً وأشار لي: أقعد (اقعد) وجلست وهكذا بين قائم وقاعد حتى الساعة الخامسة صباحاً فغلب علي النعاس، وبعد ساعة وأقل من ساعة أيقظني أحدهم قائلاً: قم يا أراني (إيراني)، فتحت عيني وإذا بضابطين فوق رأسي فاقتاداني إلى صالة خلف المطار فيها عدة ضباط ملبسين بالبياض فأوقفوني للاستجواب والسبين والجيم قام أحدهم وانتف لي لحيتي قائلاً: لماذا تقولون «الموت لسادات ويحيجين»؟! ولا جواب… ثم أمر كبيرهم: خذوه إلى المعتقل… وبقيت في المعتقل ما يقارب أربعة أسابيع، وذات يوم جاء مأمور فقال: أنت حر اذهب حيث شئت ولا أدري أأفرح أم أحزن، كنت قد أخذت تأشيرة الدخول إلى السعودية بقصد زيارة بيت الله الحرام.. ودخلت مكة المكرمة وقابلت الكعبة من على مرتفع صخري شرقها وكنت أرتجف… كيف أدخل إلى البيت وأنا كنت طلبت من الله سبحانه وتعالى أن يمكنني من بقية وهاأنا عدت منكسرًا مهزومًا، ومع هذا لبست إحرامي ودخلت البيت وطفت ثم جئت وجلست متعلقاً بأستار الكعبة متحملاً كلمات الحجاج.. كنت أبكي والله كنت (والآن أيضاً…) ورحت أتمتم بكلمات.

                                  18 – 10 – 2026

الدَّربُ إلى الأزهرِ طويل .. الجزء الرابع والأخير

بقلم: د.عباس الطائي

كيف السبيل إلى مصر وقد انقطعت الأسباب؟ قيل لي: لا طريق أمامك إلا عبر إسرائيل أو أوروبا. فشددتُ الرحال نحو اليونان، ونزلتُ في أثينا، حيث ساحة “أومونيا” الصاخبة. لم أكن هناك سائحاً، بل كنتُ غريباً يبحث عن أثرٍ يواسي وحشته، أزورُ المعالم الأثرية بعينٍ حالمة. ثم، انطلقتُ في رحلةٍ أخيرة، وهبطت طائرتي في مطار القاهرة في تمام الحادية عشرة مساءً.

قدمتُ جوازي للمأمور، نظر فيه ببرودٍ، ثم أشار لي بالجلوس. ظللتُ بين قائمٍ وقاعد حتى الفجر، حتى غلبني النعاس، فإذا بصرخةٍ توقظني: قم.. يا إيراني. لم تكن اليقظةُ مريحة، بل كانت مواجهةً مع ضابطين واقتاداني إلى صالةٍ خلفية، حيث الاستجواب والترهيب. بلمساتٍ غليظة، نُتفت لحيتي، وسألني أحدهم بحدة: لماذا تقولون: الموت لسادات وبيجين؟! .. صمت.

أُلقي بي في المعتقل لأقضي أربعة أسابيع من العزلة، حتى جاء  المأمور وقال : “أنت حرٌّ، اذهب حيث شئت”. لم أدرِ أأفرحُ أم أحزن؟! كنتُ أحملُ تأشيرةً للسعودية، فمضيتُ إلى مكة.

هناك، فوق مرتفعٍ صخريٍّ يطلُّ على الكعبة، وقفتُ أرتجف. كيف أدخلُ هذا البيت الطاهر وقد دعوتُ الله بصدقٍ أن يبلغني مبتغاي، فإذا بي أعودُ منكسراً مهزوماً؟! لكنني، برغم انكساري، لبستُ إحرامي، وطفتُ بالبيت، ثم ارتميتُ عند أستار الكعبة، أتحملُ كدمات الحجاج ووجع الروح، وأجهشُ بالبكاء.. ( لقد أبكاني الآن تذكري تلك الرحلة الأليمة) وبكلماتٍ كنتُ أتمتم بها بين يدي الله، باثاً إليه حزني ومرارة خيبتي:

١- يا غايتي وحنين الشوق راحلتي

ها قد أتيتك ياربي وخلاقي..

٢- آنَستُ في الأزهر المنشود ضائعتي

فرحت أنسى بها  بؤسي وإرهاقي…

٣- سائت معي مصر يا ويحي معاملة

من كنت ارجوهمُ فكًا لإيثاقي…

٤- ألقَوا عليَّ بأوراقي ممزقة

فكيف أفعل يا ربي بأوراقي؟!…

إلى آخر القصيدة…( في ديواني” هذا هو الحب”ص 103)

عباس الطائي الأهوازي

18 – 10 – 2026

اشترك

بالضغط على زر الاشتراك، فإنك تؤكد أنك قد قرأت سياسة الخصوصية الخاصة بنا.
العلم الوطني الأحوازي ومن الجغرافية العربية الأحوازية