من تسابيح أم كلثوم إلى أستار الكعبة… حكاية عباس الطائي!

بقلم : كاظم مجدّم

أثارت لدينا كتابات الدكتور عباس العباسي الطائي التي أوردها في أربعة أجزاء، والتي عنونها بـ(الدرب الى الأزهر طويل).. أثارت عندنا بعض التساؤلات التي ودت بأنني مضطر لطرحها في هذا المقال علّها تكون الأجابة عليها ترفع عنها التناقضات، وهي التي جاءت ردا على نقدنا الذي كتبناه بعنوان «الدكتور عباس الطائي في الميزان». ويذكر أن حلم الالتحاق بجامعة الأزهر تبلور لديه منذ عام 1957، حين كان يستمع إلى خطابات جمال عبد الناصر وتسابيح أم كلثوم!

غير أننا لا نعرف كيف استطاعت خطابات عبد الناصر القومية والسياسية، وأغاني أم كلثوم، أن تزرع حلما كهذا في وجدان شاب أهوازي شيعي المولد؟ ثم لماذا جامعة الأزهر[1] بالتحديد، وليس جامعة القاهرة، إذا كان الهدف هو دراسة أحد فروع الأدب العربي؟

اللهم إلا إذا افترضنا أن خطابات عبد الناصر وأغاني أم كلثوم، التي زرعت روح القومية العربية في نفوس ملايين العرب في مختلف أنحاء العالم، قد أيقظت في نفسه ميولا دينية، أو أنها عززت ميولا دينية سابقة لديه. ولكن، إذا صح هذا الافتراض، فلماذا لم يختر، عندما سنحت له الفرصة والتحق بجامعة الأزهر، أحد فروع العلوم الدينية، بدلًا من التسجيل في فرع الترجمة بين اللغتين العربية والفارسية؟

ويذكر عباس الطائي أيضا أنه التحق بقسم اللغة العربية في جامعة جندي شابور عام 1968. غير أن هذه الرواية تثير إشكالا زمنيا يستحق التوضيح، إذ تشير المعلومات المتاحة لدينا إلى أن قسم اللغة العربية في جامعة جندي شابور بالأهواز تأسس عام 1976، في حين بدأ التدريس وقبول الطلبة فيه عام 1978. فضلا عن ذلك، يؤكد عدد من زملاء عباس في تلك المرحلة أنه كان يدرس الأدب الفارسي آنذاك، وليس اللغة العربية !.

ـ فكيف يمكن التوفيق بين هذه الروايات والتواريخ؟

ـ هل التحق عباس بقسم آخر أو درس الأدب الفارسي في مؤسسة جامعية أخرى، ثم التحق بقسم اللغة العربية في وقت لاحق؟

ـ أم أن ثمة خطأ في التاريخ الذي أورده في مذكراته؟

إن توضيح هذه التفاصيل ليس أمرا هامشيا، بل هو جزء أساسي من ضبط التسلسل الزمني لمسيرته الأكاديمية.

ومن المسائل الأخرى التي تستحق التوقف عندها ما يذكره عباس عن ظروفه المعيشية والعائلية، إذ يدّعي أنه كان يعيل أسرة كبيرة مكوّنة من ثمانية أشخاص، وأنه تعرض للاعتقال، ثم فُصل عن الدراسة، وأُبعد ونُفي إلى مدينة أيذج البعيدة عن الأهواز. وبعد عامين من هذه الظروف، عاد إلى الأهواز عام 1977، وفجأة قرر السفر إلى مصر!

وهنا يبرز سؤال جوهري: من موّل رحلة عباس إلى مصر؟ فهو بحسب روايته، كان يعاني من ضائقة مالية، ومضطرا إلى العمل ساعات طويلة لتأمين معيشة أسرة مكوّنة من ثمانية أشخاص. فكيف استطاع، في ظل هذه الظروف، تدبير نفقات السفر والإقامة والدراسة في مصر؟ ومن أين حصل على الموارد المالية اللازمة لهذه الرحلة؟

أم تُرى أنه حصل على منحة دراسية؟ وإذا كان الأمر كذلك، فمن هي الجهة التي منحته إياها، وما طبيعة هذه المنحة، وكيف حصل عليها؟ إن هذا الاحتمال يحتاج بدوره إلى توثيق وتوضيح، ولا سيما في ضوء ما يرويه عن تعرضه للاعتقال والنفي، فضلا عن صلته العائلية بشخصية كان يشغل شقيقه منصب الأمين العام لتنظيم سياسي تحرري، وهو أخوه السيد سعيد عباسي، بحسب ما يُذكر في الروايات المتعلقة بتلك المرحلة. فهل كانت لهذه الظروف أي آثار في إمكانية حصوله على منحة دراسية أو تسهيل سفره إلى مصر؟

إننا لا نطرح هذه الأسئلة من باب التشكيك المجرد، ولا نريد أن نستبدل الرواية بالافتراض، وإنما نطالب بتوضيحات موثقة تزيل التناقضات الظاهرة بين الظروف التي يصفها في مذكراته والقرارات التي يقول إنه اتخذها. فالسفر إلى بلد آخر لمتابعة الدراسة، في ظل مسؤوليات عائلية وأعباء مالية وظروف سياسية وأمنية معقدة، ليس تفصيلًا عابرا يمكن تجاوزه دون بيان.

إنها أسئلة تثير أكثر من علامة استفهام حول طبيعة ذلك الحلم، والدوافع التي قادته إلى اختيار الأزهر تحديدا، فضلًا عن بعض التفاصيل المتعلقة بمسيرته الدراسية والمالية والسياسية التي تحتاج إلى توثيق وتوضيح.

وثمة رواية أخرى يوردها الدكتور عباس في نهاية الجزء الثالث من مذكراته، إذ يذكر أنه بعد أن طردته السلطات المصرية من أراضيها، توجه لأداء العمرة، وهناك تعلق بأستار الكعبة، مرتعشا من شدة الحزن والأسى بسبب منعه من إكمال دراسته في جامعة الأزهر. وهنا يبرز سؤال آخر: لماذا لم يفصح الدكتور عباس بوضوح عن قصة أدائه الحج أو العمرة، ولماذا لم نسمع في محيطه الاجتماعي من يلقبه بالحاج عباس، إذا كانت هذه الرحلة قد حدثت بالفعل كما يرويها؟ وهل كانت هذه الرحلة موثقة في أي مصدر آخر، أم أنها وردت حصريا في مذكراته؟ إننا لا نشكك في حقه في أداء المناسك أو في مشاعره الدينية، وإنما نتساءل عن غياب هذه المحطة من سيرته المعروفة، وعن الأسباب التي جعلته لا يتحدث عنها بالوضوح نفسه الذي تحدث به عن رحلته إلى الأزهر وتجربته الدراسية في مصر؟.

 

الهامش :

[1]: صدر قانون رقم 103 لسنة 1961 بشأن إعادة تنظيم الأزهر والهيئات التي يشملها، وهو القانون الذي حوّل الأزهر إلى جامعة عصرية حديثة. أُقرّ القانون في مجلس الأمة في 22 يونيو 1961، وصدر في 5 يوليو 1961، ونُشر في الجريدة الرسمية في 10 يوليو 1961.

بموجب هذا القانون:

  • أُضيفت كليات علمية وعملية (مثل الطب، والهندسة، والصيدلة، والزراعة، والتجارة) إلى جانب الكليات الشرعية التقليدية.

  • فُتحت الدراسة للفتيات.

  • تم تنظيم وتطوير نظام البعوث الإسلامية بشكل رسمي لاستقبال طلاب من مختلف دول العالم الإسلامي.

كما سبق ذلك إنشاء مدينة البعوث الإسلامية (في العباسية بالقاهرة) خصيصًا لإيواء وإعاشة الطلاب الوافدين، والتي تأسست بقرار عام 1954 وافتتحت عام 1959 في عهد عبد الناصر والشيخ محمود شلتوت، لتستقبل آلاف الطلاب من عشرات الدول مجانًا. 

ملاحظة: الأزهر كان يستقبل طلابا من العالم الإسلامي منذ قرون، لكن قانون 1961 هو الذي حوّله رسميا إلى جامعة حديثة مفتوحة ومنظمة بهذا الشكل الواسع.

01-11-2026

اشترك

بالضغط على زر الاشتراك، فإنك تؤكد أنك قد قرأت سياسة الخصوصية الخاصة بنا.
العلم الوطني الأحوازي ومن الجغرافية العربية الأحوازية