جيروزاليم بوست – أخبار إسرائيل

لن تُحسم الحرب مع إيران عبر الغارات الجوية، فما الذي تبقّى؟

اعتراف الكونغرس باستقلال الأقليات؛ وإعفاء الشباب الأميركي المثقلين بالديون من ديونهم؛ وإبرام صفقة مع بكين بشأن النفط الإيراني؛ هذه ثلاثة خيارات لم تُناقش علناً حتى الآن.

أفادت تقارير بأن وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) طلبت هذا الشهر من محللين من خارج الوزارة تقديم أفكار مبتكرة بشأن إيران. وهذا الطلب بحد ذاته يستحق الانتباه. فبعد أكثر من 180 يوماً من الحرب التي شهدت أكثر حملة جوية أميركية كثافة منذ حرب العراق عام 2003، أكدت وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (CIA) الآن ما كانت بيانات الضربات تشير إليه بالفعل.

أولاً، القدرات العسكرية الإيرانية لم تنهَر.

ثانياً، القوة الجوية لم تحل المشكلة المؤسسية ولا مشكلة التفاوض.
ثالثاً، لا يزال البنتاغون يفتقر إلى الأدوات اللازمة لإنهاء الحرب مع الجمهورية الإسلامية.

وتبقى ثلاثة تحركات متاحة، ويجب أن تكون موضع حسابات داخل البنتاغون والإدارة الأميركية.

اعتراف الكونغرس باستقلال الأقليات الإيرانية
إيران ليست دولة قومية بالمعنى التقليدي للكلمة. ففي جوهرها، هناك أغلبية فارسية تحكم أربع أقليات قومية كبيرة أخرى، لكل منها لغاتها وهوياتها الثقافية المتميزة. وبعض هذه المجتمعات لديها حركات استقلال أو حكم ذاتي قديمة، عملت الحكومة الإيرانية على قمعها عبر مراقبتها أو، في بعض الحالات، مواجهتها عسكرياً.

وتتكون المجموعات الأربع من:
الأكراد في إقليم كردستان الإيراني والمناطق المحيطة به في غرب إيران.
العرب الأحوازيون في خوزستان، التي تقع فوق احتياطيات النفط الإيرانية.
البلوش في جنوب شرق إيران.
الأذريون في شمال غرب البلاد.

وبحسب المقال، تمثل هذه المجموعات مجتمعة نحو 50% من أكثر من 90 مليون مواطن إيراني.
وافتراضياً، فإن صدور قرار بالإجماع من الكونغرس الأميركي يعترف بالاستقلال السيادي للشعوب الكردية والأحوازية والبلوشية في إيران من شأنه أن يحقق أمراً لا تستطيع أي غارة جوية تحقيقه.
فهو سيغيّر حسابات كل مسؤول في الوزارات، وكل قائد إقليمي في الحرس الثوري، وكل وحدة من قوات الباسيج، وكل مواطن إيراني يتساءل عما إذا كان النظام سيبقى حتى نهاية العام.
وسيحقق ذلك من دون تكلفة عسكرية مباشرة، ومع أقصى قدر من الضغط، وهو أمر لا تستطيع حتى الحرب الاقتصادية تحقيقه، بحسب كاتب المقال.

وهذه الخطوة ليست بلا سوابق.
فالأكراد المقيمون في إيران أعلنوا استقلالهم في أربعينيات القرن الماضي، وأقاموا دولة مستقلة استمرت عاماً واحداً قبل أن يسحب السوفييت دعمهم لها، فتنهارت جمهورية مهاباد الكردية.
وفي عام 2017، أجرت حكومة إقليم كردستان العراق استفتاءً على الاستقلال.
وفي الوقت نفسه، فإن الحركة الأحوازية للتحرير تنشط منذ عقود، كما أن التمرد البلوشي المستمر في سيستان وبلوشستان يوفر، بحسب المقال، بنية تنظيمية يمكن لاعتراف الكونغرس أن يمنحها الشرعية ويعزز قوتها.

نعم، ستعترض تركيا، ومن المرجح أن يعترض العراق أيضاً. لكن هذا هو الهدف تحديداً.
فالاعتراف بهذه الدول سيجبر طهران على اتخاذ خيار لم تتمكن الغارات الجوية من فرضه.
وسيؤثر ذلك في مسار برنامجها النووي، وشبكة وكلائها الإقليميين، ودفاعاتها المتقدمة، وموقفها في مضيق هرمز.
وإلا فإن إيران ستخاطر برؤية البلاد تتفكك إلى دول أصغر تتجه بصورة متزايدة نحو الخليج والغرب بدلاً من التوجه نحو طهران.
وسيكون التقسيم إشارة إلى أن الحرب تجاوزت هدف تغيير النظام باعتباره هدفاً متماسكاً.
فتغيير النظام يفترض بقاء الإطار الجغرافي نفسه مع تغيير من يديره. أما هذا الخيار فيقوم على تفكيك الإطار نفسه.
ويقول الكاتب: «على أميركا أن تتابع هذا المسار وألا تتخلى عن هذه الأقليات مرة أخرى.»

التجنيد الاقتصادي للأميركيين الشباب المثقلين بالديون
يرى الكاتب أن الحرب الإعلامية على الجبهة الداخلية الأميركية قد فشلت بالفعل.
فالبنتاغون لم يتمكن من إقناع الرأي العام الأميركي بهذه الحرب، لأن الحرب جرى ربطها خطابياً بعمليات إسرائيل في غزة، بينما يرفض الرأي العام الأميركي، بحسب المقال، هذا الربط.
وتأتي أرقام التجنيد أقل من المستوى الذي ستحتاج إليه الولايات المتحدة في حال شن غزو بري لإيران.
وتتراوح تقديرات الحملة البرية الناجحة ضد القيادات الإقليمية الإيرانية الـ31 ووفق عقيدة الدفاع المتعدد الطبقات الإيرانية (Mosaic Defense Doctrine) بين 750 ألفاً و1.5 مليون جندي أميركي.
في حين يبلغ قوام الجيش الأميركي العامل حالياً نحو 452 ألف جندي.
وبحسب الكاتب، فإن الحسابات واضحة: الأرقام لا تكفي.
لكن التاريخ الأميركي، برأيه، يقدم مساراً يمكن اتباعه.
ليس عبر التجنيد الإجباري أو التعبئة العسكرية على طريقة الحروب العالمية، وإنما من خلال التطوع في الجيش مقابل برنامج لإعفاء المجندين من الديون.
فالأميركيون الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و34 عاماً يحملون في المتوسط أكثر من 40 ألف دولار من الديون غير المرتبطة بالرهن العقاري، تشمل قروض الدراسة وبطاقات الائتمان وقروض السيارات والقروض الشخصية، بينما تصل بعض التقديرات إلى 100 ألف دولار.

وهذه، بحسب الكاتب، هي الفئة التي يحتاج إليها البنتاغون.
ويقترح برنامجاً اتحادياً للتجنيد مقابل إعفاء من الديون، بحيث يتم إلغاء أرصدة القروض الدراسية وبطاقات الائتمان والقروض بالكامل بعد 24 أو 36 شهراً من الخدمة، إلى جانب توسيع مزايا قانون GI Bill، وهو برنامج المزايا التعليمية للمحاربين القدامى.
ويرى أن ذلك سيؤدي إلى تجنيد طوعي واسع النطاق.
ويقول إن الأمر ليس نظرياً.
فالدولة الأميركية، بحسب المقال، فعلت تاريخياً ما تفعله الدول عندما تحتاج إلى أعداد من الأفراد لا تستطيع الحصول عليهم بالطرق الأخرى.
فالحرب العالمية الثانية شهدت تقديم GI Bill، وحرب فيتنام شهدت تأجيل التجنيد بسبب الدراسة الجامعية، بينما قدمت حروب ما بعد 11 سبتمبر مكافآت للتوقيع ومسارات للحصول على الجنسية.
ويرى الكاتب أن حرب إيران ستحتاج إلى تقديم إعفاء من الديون.
وبحسب تحليله، فإن الوضع الاقتصادي للأميركيين المثقلين بالديون في العشرينيات والثلاثينيات من أعمارهم يجعل هذا الآلية الأكثر كفاءة المتاحة للبنتاغون وإدارة ترامب.
ويقر الكاتب بأن الجانب الأخلاقي لهذا الطرح مقلق، لكنه يقول إن الدول تعمل على توفير الجنود الذين تحتاج إليهم من خلال الحوافز التي تؤثر في السكان الموجودين لديها.

اتفاق أميركي – صيني بشأن النفط الإيراني
زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى الولايات المتحدة هذا العام تفتح، بحسب الكاتب، نافذة لم تكن موجودة في أي مرحلة سابقة من هذا الصراع.
وسيتضمن جدول الأعمال الثنائي التجارة وأشباه الموصلات وتايوان وبحر الصين الجنوبي، لكن الكاتب يرى أن الملف الإيراني يجب، وعلى الأرجح سي، يكون جزءاً من المفاوضات.
ويقوم الإطار المقترح على صفقة تبادلية.

فمصالح الصين الحالية في النفط الإيراني، ومبادرة الحزام والطريق، والبنية التحتية لميناء غوادر، يمكن حمايتها في سيناريو واحد فقط، وفقاً للمقال:
تفاهم أميركي–صيني يضمن للصين الوصول إلى النفط الإيراني في ظل ترتيبات حكم ما بعد الحرب، مقابل انسحاب الصين من الدعم الدبلوماسي والمادي لطهران.
وبذلك تحصل بكين على ضمان لإمداداتها النفطية، بينما تحصل واشنطن على إخراج أهم شريك استراتيجي لإيران من المعادلة.

أما المقابل الذي يمكن أن تطلبه بكين فهو تايوان.
ويقول الكاتب إن بكين تريد منذ عقدين إعادة ضبط الموقف الأميركي العلني تجاه تايوان.
أما ما إذا كانت واشنطن وترامب مستعدين لتقديم ذلك، وإلى أي مدى، فسيكون هو موضوع التفاوض.
لكن الكاتب يرى أن هذه المفاوضات أصبحت ممكنة للمرة الأولى بهذه الصورة، لأن إيران خلقت، بحسب رأيه، سيناريو أصبحت فيه لدى العاصمتين مصالح مشتركة قوية بما يكفي للتغلب على التنافس البنيوي بينهما.
ويرى أن ذلك يعني أن حرب إيران أصبحت كبيرة بما يكفي لإعادة ترتيب التنافس الأساسي في القرن الحادي والعشرين.
ويقول إن الصين اتخذت موقفاً محسوباً بشكل صحيح خلال المرحلة العسكرية، إذ وفرت غطاءً لتجاوز العقوبات وحماية دبلوماسية لإيران، لأن تكلفة ذلك كانت منخفضة.
لكن التكلفة الآن ترتفع.
وبحسب الكاتب، فإن بكين قد تستمع إلى صفقة كانت سترفضها قبل ستة أشهر.

إلى أين يقود ذلك؟
لا يستطيع أي من هذه التحركات الثلاثة حل المشكلة الإيرانية بمفرده.
لكن الكاتب يرى أنها قد تحلها مجتمعة.
فالتقسيم، بحسب تصوره، يكسر الدولة أخلاقياً وسياسياً ونفسياً، ويقوض سلطة إيران على أراضيها.
والتجنيد القائم على إعفاء الديون يوفر القوة اللازمة لفرض التقسيم إذا لم تستسلم إيران خلال تلك المرحلة.
أما الصفقة مع بكين فتزيل الحماية الخارجية التي أبقت الحكومة الإيرانية صامدة.
ويخلص الكاتب إلى أن:
المرحلة العسكرية من الحرب انتهت، لكن المرحلة الاستراتيجية بدأت للتو.
والأدوات التي تحسم المرحلة الاستراتيجية، بحسب رأيه، لا علاقة كبيرة لها بما قامت به مقاتلات F-35 وقاذفات B-2 خلال الأشهر الستة الماضية.
بل تتعلق بـ:
التحرك التشريعي؛
السياسة الاقتصادية الداخلية؛
المفاوضات مع القوى الكبرى.

ويقول:
«طلب البنتاغون أفكاراً مبتكرة. وهذه ثلاثة منها.»
ثم يطرح السؤال الحقيقي: هل لدى واشنطن الاستعداد السياسي لتنفيذ أي منها؟
ويضيف أن قراءته الشخصية هي أن الإدارة ستجرب الخيارات الثلاثة بترتيب ما، وأن التسلسل سيبدأ بالصفقة مع الصين لأنها، في رأيه، الأقل تكلفة والأعلى تأثيراً من بين الخيارات الثلاثة.

ويختتم المقال بالقول:
«الحرب مع إيران لا تنتهي عند النقطة التي يتم فيها توقيع وقف إطلاق النار. إنها تنتهي عندما يتم كسر التماسك المؤسسي الإيراني. ستة أشهر من الغارات الجوية لم تحقق ذلك. وربما تستطيع ثلاث خطوات هادئة في واشنطن أن تفعل.»

اشترك

بالضغط على زر الاشتراك، فإنك تؤكد أنك قد قرأت سياسة الخصوصية الخاصة بنا.
العلم الوطني الأحوازي ومن الجغرافية العربية الأحوازية