الخلل الهيكلي في الدستور الإيراني ونظرية ولاية الفقيه
بقلم : كاظم مجدم

في عام 1993م وعندما كنت أدرس فرع الإدارة في جامعة زاهدان بإقليم بلوشستان، أشار أحد الأساتذة إلى أن دستور نظام الملالي (دستور 1979 المعدَّل عام 1989) يعاني من خلل هيكلي ويحتوي على دورة (أو حلقة مفرغة)، بحيث يُنتخب الولي الفقيه بواسطة أناس ينتخبهم!

وهذا الخلل من أبرز الانتقادات المعروفة للدستور الإيراني الحالي، ويُعتبر أحد أسباب ضعف المساءلة الحقيقية للمرشد الأعلى في الممارسة العملية.

ولاحقًا في عام 2017م عندما كنت أدرس فرع دراسات الشرق الأوسط في جامعة كوبنهاغن، درسنا دساتير الدول العربية، إضافةً إلى الدستور الإيراني، في ضوء كتاب: Constitutions in a Nonconstitutional World (2002)، وهو دراسة (مونوغراف) للباحث الأمريكي ناثان ج. براون (Nathan J. Brown).

ويرى المؤلف أن الدساتير في العالم العربي وإيران نادرًا ما كانت تُعتمد بهدف إضفاء الطابع المؤسسي على الآليات والقيم الدستورية (الدستورية وسيادة القانون). ويخلص إلى أن هذه الدساتير لم تُكتب لأغراض دستورية، ولم تكن أساسًا فعّالًا للممارسات الدستورية، بل على العكس تمامًا، كان هدفها تعزيز الأنظمة الاستبدادية. وقد حدد ثلاثة أغراض تجعل الدول العربية تتبنى مثل هذه الدساتير: رمزي، وإيديولوجي، وتمكيني.

وفي الرسالة التي كتبتها لمراجعة الكتاب، بيّنتُ أن آمال براون في أن تختفي العقبات الكبيرة التي تقف في طريق التطور السياسي وإرساء الأسس الديمقراطية في الشرق الأوسط، عن طريق تعزيز الآلية القضائية أو بمساعدة تعزيز دور البرلمانات، أمرٌ ساذج. وشرحتُ أن التجربة الإيرانية قد أثبتت أن أنظمة الشرق الأوسط لا تقبل أي قيود على سلطتها. فقد توقفت عملية الإصلاح الإيرانية (1997–2005) عن التقدم، رغم وجود رئيس إصلاحي وأغلبية من أعضاء البرلمان الإصلاحيين. وفشلت كل جهود خاتمي في إجبار المرشد الأعلى على الالتزام بالدستور. وقد سدّ المرشد الأعلى أي إمكانية لتطور الدستورية، مستخدمًا السلطة القضائية ومجلس صيانة الدستور والحرس الثوري.

وفي محاضرة قيّمة عام 2018م حول سلطات المرشد الأعلى، تطرق راسموس ألين، الأستاذ في جامعة كوبنهاغن، إلى سلطات ولي الفقيه الكثيرة، وقال إن تضخّم سلطات ولي الفقيه هو العيب الأساسي في الدستور الإيراني. وبهذه السلطات، لا يمكن أن يتصرف المرشد الأعلى إلا مثل سائر الجبابرة والطغاة والمستبدين على مرّ التاريخ. كما أشار بعض الإصلاحيين الإيرانيين إلى أن الهالك المتوهم علي خامنئي كان يرى صلاحيات ولي الفقيه في الدستور أكثر بكثير من الصلاحيات التي عمل بها هو، ويعتقد أن الصلاحيات التي مارسها هي «کفّ اختيارات ولي فقيه نه سقف آن» (أي الحد الأدنى من صلاحيات ولي الفقيه وليس الحد الأقصى لها).

وعام 1994م، عندما أسّسنا أنا ورفاقي الحركة التصحيحية في الأهواز، ومن ثم تبنّينا التوجّهات الدينية السُّنية (1994م–1997م)، اكتشفنا أن نظرية ولاية الفقيه، خاصةً الشكل المطلق الذي طُبّق في إيران بعد 1979، تعتمد في الاستدلال النصي عليها على رواية واحدة فقط، وهي التوقيع المنسوب إلى الإمام المهدي المزعوم (في الغيبة الصغرى) عبر إسحاق بن يعقوب، ونصّه الرئيسي: «وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله».

لذلك قمنا بتوزيع كتاب «الشيعة والتصحيح» (الصراع بين الشيعة والتشيّع) لموسى الموسوي، ولاحقًا كتاب «الإمام المهدي: حقيقة تاريخية أم فرضية فلسفية؟» لأحمد الكاتب، بهدف ضرب أساس نظرية ولاية الفقيه. وكنا نستدلّ بأنه بدلًا من الدخول في مناقشة صحة الرواية المنسوبة إلى المهدي، من الأفضل دحض وجوده التاريخي، وبذلك يمكن تهديم نظرية ولاية الفقيه وزعزعة مكانة الولي الفقيه الذي يعتبر نفسه في الوقت الحاضر نائبًا عنه في فترة الغيبة.

وفي أثناء اعتقالي عام 2005م من قِبل قوات الحرس الثوري، وُجِّه إليَّ اتهامٌ بأنني أروّج أفكارا إلحادية عن طريق العمل ضد مبدأ ولاية الفقيه والترويج لنظريات تخالفها. فكان ردّي على هذا الاتهام قائلًا: إن ولاية الفقيه مجرد نظرية سياسية وليست من أصول الدين ولا من فروعه، حتى يُتهم المرء بسببها بأنه خارج عن الإسلام. ولستُ أنا وحدي من يخالف هذه النظرية، فهناك مراجع دينيون معروفون مثل المرحوم شريعتمداري والخوئي والسيستاني أيضًا، وقد اعتبر الأخير التوقيع مخدوشًا سندًا وغير قابل للاستدلال به (في تقريرات الاجتهاد والتقليد).

19 سبتمبر 2026
توضيح الخلل الهيكلي في الدستور الإيراني
1. الولي الفقيه (المرشد الأعلى) يُختار من قِبل مجلس خبراء القيادة (المادة 107 من الدستور). المجلس ينتخب القائد ويشرف عليه، ويمكنه نظريًا عزله (المادة 111).

2. أعضاء مجلس الخبراء يُنتخبون مباشرة من الشعب (لمدة 8 سنوات) ، لكن جميع المرشحين يخضعون لفرز وتأييد مسبق من مجلس صيانة الدستور (Guardian Council). هذا الفرز صارم جدًا، ويُستبعد منه غالبية المرشحين المعارضين أو غير الموالين.

3. مجلس صيانة الدستور يتكون من 12 عضوا:
6 فقهاء يعيّنهم المرشد الأعلى مباشرة.
6 حقوقيين يرشحهم رئيس السلطة القضائية (الذي يعيّنه المرشد أيضًا) ، ويوافق عليهم البرلمان.

النتيجة: المرشد يؤثر بشكل حاسم في تشكيلة الهيئة التي تنتخبه وتشرف عليه. هذا يخلق دورة مغلقة (circularity) أو حلقة مفرغة في السلطة، حيث يتحكم من في أعلى الهرم فيمن يختاره ويراقبه.

اشترك

بالضغط على زر الاشتراك، فإنك تؤكد أنك قد قرأت سياسة الخصوصية الخاصة بنا.
العلم الوطني الأحوازي ومن الجغرافية العربية الأحوازية